ارتفاع الدولار.. (الحكومة) هي المتهم الأول

الخرطوم : عين السودان

خلال ساعات شهد سعر الدولار بالسوق الموازية قفزة كبيرة بررها متعاملون بالسوق بسبب دخول الحكومة لشراء نقد أجنبي لتغطية حاجتها من الاستيراد والتي بلغت 90 مليون جنيه،وارتفع سعر الدولار في خلال اليوم أكثر من 10 جنيهات، لم يشهده حينما تم الإعلان عن تعديلات الموازنة الحالية التي شملت زيادة رفع الدعم عن الوقود وتحريك السعر الرسمي للدولار وزيادة الدولار الجمركي بنسبة 30%،فيما شهد أمس ربكة في عمليات البيع والشراء وتراوح سعره ما بين 168 الى 173 جنيه،حيث بات كل تاجر يعلن سعراً يختلف عن الآخر،دخول الحكومة لشراء الدولار من السوق لم يكن متوقعاً في ظل بشريات أعلنتها سابقاً بتنظيم شراء وتصدير الذهب وتحقيق عائد صادر يغنيها من اللجوء الى السوق الموازية.

فخ السوق الموازية
«تتعدد الأسباب والموت واحد».. مقولة بادر بها عضو اللجنة الاقتصادية بقوى الحرية والتغيير د.عادل خلف الله في حديثه ويشير الى أن هنالك أكثر من سبب يجعل الجنيه مقابل الدولار في حالة من عدم الثبات،لافتاً الى أن الزيادة ارتبطت بما عرف بتعديلات الموازنة والتي بنيت على فكرة قامت حكومة الإنقاذ بتجربتها أكثر من 17 مرة، وهي إحدىاشتراطات صندوق النقد والبنك الدوليين والتي قامت على أن العرض والطلب يحددان السعر دون تدخل لسعر قياسي،وبالتالي أعلنت عن تخفيض الجنيه من 55 جنيهاً الى 120 جنيهاً بنسبة تخفيض بلغت 118%،إضافة الى ما حدث في الرابع عشر من يناير الماضي خفض الجنيه من 18 جنيهاً 55 الى جنيهاً،بنسبة زيادة أكثر من 205%،وأوضح أنه خلال 8 أشهر تم تخفيض قيمة الجنيه الى أكثر من 323%مما أدى الى قفزة في السوق من 60 الى 120 جنيهاً للدولار،وذكر أن السوق الموازية حريصة جداً على جر السعر الرسمي الى المناطق التي ترغب فيها وعند وقوع الحكومة في فخ السوق يعمد التجار الى زيادة الهوة.
التخلي الطوعي
وكشف عن دراسات أعدتها اللجنة الاقتصادية بقوى الحرية بمشاركة بنك السودان المركزي وبعض مراكز البحوث توقعت أن يصل الدولار الى 220 جنيهاً،وحمّل وزارة المالية وبنك السودان نتيجة ذلك بسبب رضوخهما لمطلوبات البنك الدولي وضغوط الرأس مالية الطفيلية وتخليهما طوعاً عن مهمتهما في الحفاظ على القوى الشرائية لقيمة الجنيه للمضاربين بالنقد الأجنبي وما يعرف بتجار العملة، في ظل عدم وجود سياسات لا تشجع الإنتاج وتبعد الدولة عن التحكم في بعض المصادر للنقد الأجنبي،ودمغ باستمرار تدهور الجنيه وعدم وصول البلاد للحظة التاريخية التي يتوحد فيها السعر الرسمي مع الموازي في ظل السياسات الحالية وغياب شركات المساهمة العامة التي تتولى محصولات الصادر الزراعية والحيوانية بجانب شركة في الاستثمار والتعدين وشراء وشركات تستورد المشتقات البترولية والذهب.
الحكومة لا تملك جراماً من الذهب
والناظر الى مجريات الأحداث خلال الشهر الحالي فقد ملأت الحكومة الدنيا ضجيجياً بتحكمها في عمليات شراء وبيع الذهب وتدشين صادر فاق 6 أطنان من الذهب هللوا لها بأن عائدها سوف يوفر للدولة نقداً أجنبياً يغنيها عبء شرائه من السوق الموازية لتغطية استيرادها بيد أن النتيجة جاءة صفرية بواقع أسوأ من قبله.
في هذا المنحى يقول خلف الله إن حكومة أو شعب السودان لا يملكون جراماً منه،فهو مملوك لشركات خاصة تستغل طاقات المعدّنين الأهليين الذي يوفر 85% من الذهب المنتج ،وتأتي حكومة السودان عبر المحفظة تشتري من هذه الشركات،وفي وقت كان الأفضل لها تشكيل شركة مساهمة عامة مع أصحاب الشأن العاملين بالقطاع،وبالتالي تمكن الدولة من امتلاك 52% من أسهم الشركة بإضافة الى نصيبها من الضرائب والزكاة والعوائد الجليلة،مما يعني أن كل كيلو يصدّر أو طن يكون نصيب الحكومة ما لا يقل عن 52% الذي يسهم بدوره في وقف التدهور في قيمة الجنيه مقابل الدولار والعملات الأخرى ويبدأ تدريجياً في تشكيل تراكم للنقد الأجنبي لدى بنك السودان المركزي،أو الاتجاه الى بدائل بالاحتفاظ باحتياطي من الذهب المنتج في البنك المركزي،مؤكداً أن هذا الإجراء يعزز الثقة في الاقتصاد ويعظم من القيمة الائتمانية للمركزي وبالتالي استيراد كثير من السلع دون ان تدفع الدولة مقابلها نقد.
ويؤكد أن مقدرات الاقتصاد السوداني ومصادره المتنوعة تجعل من الأزمة أقرب من الحل ويخرج الاقتصاد من طور مواجهة الأزمة الى مرحلة جديدة من النهوض والازدهار،وقال إن ذلك يأتي بعدم السير في سياسات النظام السابق وعدم تجريب المجرب والرضوخ للدائنين .
سياسة حكيمة
ويتساءل الكثيرون عن المبرر الذي يجعل من حكومة السودان تقوم بشراء النقد الأجنبي من السوق الموازية لتغطية احتياجاتها بالرغم من البشريات التي أعلنت عنها عقب تدشين صادر الذهب ،بيد أن الخبير الاقتصادي د.عادل عبد المنعم يؤيد فكرة دخول الحكومة لشراء الدولار بالسوق الموازية لتوفير الضروريات،واستند في حديثه على أن الدولة يمكن أن تنهار في ظل الوضع السياسي وعدم اتفاق الجهات السياسية المختلفة ووجود جهة سياسية قوية لقيادة الدولة،مقابل اشتراطات الحرية والتغيير على السياسات الاقتصادية،وأوضح أن تدخل الحكومة لشراء الدولار بأسعار عالية يوقف الاستيراد من الخارج خاصة السلع الكمالية،وبالتالي انخفاض الجنيه سوف يكون في صالح المصدّرين.
تغيير العملة
ويختلف عادل خلف الله بشأن ما ذهب اليه عبدالمنعم وقال إن النقد الأجنبي متاح ومتداول خارج الجهاز المصرفي السوداني وخارج البلاد جعل الدولة تدخل الى السوق الموازية لشراء النقد الأجنبي الأمر الذي ساهم في انتعاش قوى السوق الموازية المكون من بعض رموز النظام السابق والبعض الاخر محاسيب على النظام وامتهنوا الاتجار بالعملة،داعياً الدولة الى السيطرة على مصادر الدولار المتمثلة في الذهب والمعادن الأخرى،ووصف السياسات المتبعة حالياً في حصائل الصادر بالمرونة المطلقة للمصدّرين تصل الى عدم التزامهم بإرجاع عائد الصادر للبنك المركزي،مشيراً الى وجود كتلة نقدية خارج الجهاز المصرفي حسب المركزي تقدر بحوالي 90% من النقد المحلي المتداول في السوق،واعتبر ذلك بالمؤشر الى وجود خلل هيكلي كبير جداً،مطالباً بضرورة اتخاذ خطوة جريئة بإصدار عملة جديدة تعزز الثقة في الجهاز المصرفي،وعودة الكتلة النقدية المتداولة في أنشطة خارج الجهاز المصرفي عبر عناصر استفادت من سياسات النظام السابق،وقال إن قرار إصدار العملة يقلل من فرص المضاربة بالعملة ،بجانب إصلاح التشريعات وفي مقدمتها قانون الضرائب،خاصة ضريبة الاتصالات التي تحوم حولها شبهة فساد ،وأضاف ان القطاع يحقق أعلى الأرباح في ظل تدني تكلفة التشغيل بيد أن مساهمته في الضريبة 7% على المبيعات،وقال حالياً لا توجد مصلحة اقتصادية في استمرار هذا الوضع،وذكر أن السياسات البديلة تشكل مدخلاً وواقعاً عملياً يمكّن من وقف تدهور قيمة الجنيه وتحميل الفئات الاجتماعية والاقتصادية التي كونت ثرواتها على حساب الشعب تتحمل الاتجاهات الوطنية الجديدة لإصلاح الاقتصاد بدلاً عن تحميلها للفقراء والكادحين والقوى المنتجة.
سعر مضغوط
ويعود د.عبدالمنعم الى سرد مسيرة الدولار منذ تعيين وزراء الحكومة ويشير الى أن نهاية العام الماضي الدولار كان بواقع 80 جنيهاً وعند وقوف الحاضنة السياسية ضد وزير المالية السابق د.إبراهيم البدوي في تنفيذ سياسته الى أن غادر الوزير وصل الدولار 150 جنيهاً،لافتاً الى أن السعر الحالي للدولار مضغوط،وتوقع أن يصل الى حدود 200 جنيه في الوقت القريب،خاصة وأن جميع الظروف باتت مهيأة لذلك عبر فتح باب السفر والمعابر مع مصر التي عرفت بمعابر استنزاف الذهب والدولار عبر التهريب،وفتح باب الاستيراد،في ظل وقف تطبيق الموازنة المعدلة من قبل قوى الحرية والتغيير ورفضهم للتعديلات البسيطة التي جاءت بها التي يمكن أن تهيئ لقاعدة إصلاح اقتصادي. ويبرر أن تقاعس المناحين عن تسديد ما التزموا به بجانب المؤامرات الخارجية ضد السودان يجعل من فرص الحصول على الدعم الخارجي ضعيفة،وليس أمامه سوى الاعتماد على موارده الخارجية،مبيناً ان إنقاذ الوضع يستوجب شراء الذهب والدولار بأعلى الأسعار بما يفوق أسعار الخليج للذهب،لتفادي توقف البلاد لحين استقرار الأوضاع الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وانسياب التحويلات الخارجية،واتفاق القوى المتصارعة حالياً على السياسات الاقتصادية،واصفاً تدخل الدولة في الوقت الحالي لشراء الدولار والذهب بالسياسة الحكيمة.
وأخيراً يرى البعض الآخر أن انخفاض الدولار يأتي بارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي والتدفقات من العملات الأجنبية عبر النظام المصرفي، وزيادة الصادرات السودانية التي تخلق تنافساً أكبر في السوق العالمية، وذلك عبر ودائع أو استثمارات حكومية من دول صديقة وشقيقة، جميعها يتفق عليها خبراء اقتصاديون بأنها هي التي تعزز من مكاسب الجنيه السوداني، وحدوث العكس هو ما يؤدي إلى خسارتها وتراجعها مقابل الدولار الأمريكي، وأن الأهم من ذلك أن تكون هنالك خطط واضحة المعالم للتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج والتميّز بمجموعة من الصناعات تامة الصنع وليس إهداراً للموارد الطبيعية.

صحيفة الانتباهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =