الخرطوم : عين السودان

قال الشاهد : (الله اكبر .. الله اكبر.. الله اكبر) شق الهتاف ليل قريتنا الصغيرة فهبت متسائله في قلق صوب المسجد.

كان المشهد جماعة من الرجال المنهكين تراصوا امام المسجد في رهق واعياء بائن. تكاثفت عليهم (اسئلة المنظراتية) المتهمة إلى أن قطعها العمدة حاج النور بلهجة حازمة ومنتجة: (يا هؤلاء هذا ليس مقام ثرثرة، فليذهب كل واحد منكم إلى بيته لجلب الفطير واللبن، وما خف من الغذاء وما يلتحف به هؤلاء الضيوف). تفرق الناس استجابةً

قال كبيرهم باختصار: (نحن عمال حصاد وجهتنا القضارف، وقد ضل سائقنا الطريق وانقطع وقوده ونفد الماء والغذاء فرأينا ضوءكم من بعيد فأتينا بالرجاء آملين)

اكلوا وشربوا وارتاحوا قليلا واطمأنوا للناس واطمأن لهم الناس. نادى العمدة على ود العشا صاحب (اللوري) والبصير بالدروب وجمع وقوداً مقدراً وزاداً وماء، ودعوات صالحات ورافقهم الى حيث ناقلتهم المعطلة، واترعوها بالوقود النادر ودلهم ود العشا على الطريق.

انقضت تلك الليلة الليلاء بالكثير من الافعال والقليل من الاقوال واصبحت حكاية في ذاكرة الريف.

العمدة حاج النور فلاح نشيط ومنتج ومنفق ومن الحفظة، نقابي وأحد مثقفي الريف ، وهو في عز نضجه ودون الخمسين، وله علم في باب السَّلم والمزارعة واحابيل التمويل والبنك الزراعي.

ولأننا نحلم بحكومة جديدة تكون نسيجاً من صالحي هذه البلاد وخبرائها فإني ارشح العمدة حاج النور أول وزير فيها لحقيبة الزراعة بكل سيرته الذاتية الناصعة في الحقل والمسجد والعمل الطوعي النافع وسط الناس.

ولكم في جرأة الشيوعيين اسوة حسنة فقد عينوا المزارع شيخ الامين وزيرا للصحة في حكومة جبهة الهيئات وهو بالكاد يفك الخط ( كيتاً في الدكاترة ولادة الهنا) ولم تستطع النخبة يومها رفع عقيرتها بالتعليق أو بالاعتراض.

فما بالكم برجلٍ يحفظ القرآن ويُفتي على المذاهب الأربعة ويصلي فجره حاضراً، ويسوي بيديه الخشنتين حواشته قمحاً ووعداً وتمني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *