الخرطوم : عين السودان

في عام ١٩٠٨ شهد السودان المستعمر وضع أول قانون للشرطة، وبالتالي قيام جهازها المستقل كمؤسسة مدنية خدمية مهمتها تنفيذ القانون وحفظ النظام ..في عام ١٩٢٧ افتتحت مدرسة البوليس والإدارة .. في عام ١٩٥٣ كان إضراب البوليس الشهير ضد السلطة الاستعمارية .. في عام ١٩٥٤ تمت سودنة جهاز الشرطة كأول مؤسسة سودانية تتم سودنتها قبل إعلان الاستقلال .. بتعيين اللواء أمين أحمد حسين كأول مدير عام وطني للشرطة .. حاولت حصر الخدمات التي تقدمها الشرطة للمواطنين وجدت أنها تتجاوز الثلاثين خدمة .. ولا مجال لحصرها هنا .. وأحسب أن أي قارئ يستطيع أن يحصر خمس عشرة خدمة على أصابع يديه دونما أي جهد يذكر .. وسأعلن عن جائزة قيمة هنا لأي قارئ يستطيع أن يحصر ثلاثين خدمة تقدمها الشرطة للمواطن .. دون الاستعانة بصديق أو أي عناصر مساعدة ..!

هذه المقدمة تأتي وصلاً لإكمال ما طرحناه هنا عن ضرورة توفر جهاز يكون بمثابة الذراع التي تنفذ قرارات الحكومة وتحفظ هيبة الدولة .. فإذا كان قانون الشرطة ينص على إنها ذلك الجهاز الذي مهمته تنفيذ القانون وحفظ النظام .. فهل من جهاز أحوج من الشرطة لتكون ذراع الحكومة القوي الأمين ..؟!
ولكن .. إن كان ما ورد في هذه المقدمة من تاريخ زاخر بالأمجاد هو كسب الشرطة ورجالاتها علي ..مر الأجيال والدهور .. ففي المقابل هناك من يحمل الشرطة أوزاراً ما أنزل الله بها من سلطان .. وتجاوزات وأخطاء .. شوشت على الكثيرين رؤية الشرطة من زاوية أنها في .. خدمة الشعب .. بل في البطش بالشعب .. حتي بلغ الأمر أن خمسة من كبار مسؤولي الحكومة على الأقل .. وفي مناسبات مختلفة .. لم يترددوا في أن يحملوا الشرطة وزر كل مكروه حاق بالثورة السودانية منذ انطلاقتها ديسمبر ٢٠١٨ .. بإيجاز هذا يلخص مكمن الأزمة بين الحكومة والشرطة .. والماثلة ربما .. حتى يوم الناس هذا .. شرطة ترى أن الحكومة وحاضنتها السياسية تتجاهلان الشرطة .. وحكومة ترى في الشرطة لا معبرة عن إرادتها .. بل معوقة لأعمالها في بعض الأحيان ..!
إذن .. حديث رئيس الوزراء يومها عن اهتمامه بالشرطة كان منعطفاً مهماً ولافتاً .. ينبغي تطويره وترجمته والبناء عليه .. وفي المقابل فالحراك الإيجابي الذي يتبدى في الشارع عبر مفارز وآليات وأفراد الشرطة .. أيضاً لمما ينبغي أن يجد الدعم والتقدير ..!

فمثلها مثل أي مؤسسات أخرى .. لن ينكر إلا مكابر أن الشرطة كانت واحدة من أهداف التسييس .. بل وفي بعض أجزائها معولاً لتنفيذ أجندات تعني النظام لا المواطن .. تحمي النظام لا الوطن .. وهي في هذا لم تكن استثناءً ولا نشازاً .. عليه .. يبدو عصياً علي الفهم أن يتخذ البعض خطاً فاصلاً بينهم وبين الشرطة .. أو ينادي بإلقاء الأخيرة في البحر .. فتاريخ تجاوز القرن بعقد من الزمان لا يمكن تجاوزه ..وموروث من الخبرات والمعارف والخبرات لمؤسسة أصبحت مرجعاً في المنطقتين العربية والإفريقية .. لا يمكن القفز فوقها كحاجز سباق في مراحله الأولى .. الشرطة سادتي مؤسسة .. و ليست أفراداً .. ولأن المؤسسة باقية والأفراد زائلون .. يصبح التحدي أمام رئيس الوزراء وطاقمه المختص هو المحافظة على المؤسسة .. بطهرها ونقائها وعطائها .. حتى يصبح للحكومة بالفعل جيش أزرق .. يطبق القانون ويحفظ النظام .. وبأنياب لا تعرف التهاون .. و إلا .. فلا تنتظروا تحولاً ديمقراطياً .. و لا حتى تحلموا به ..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *