الخرطوم : عين السودان

قرأ أهل السودان في ليلة العيد مقالاً ضجت به الأسافير بقلم أحد الأساتذة الكرام واسمه د. حافظ الزين الذي وصفته هذه الأسافير بالخصم اللدود، حيث كتب معتذراً للدكتور إبراهيم البدوي وزير المالية والتخطيط الاقتصادي. ويبدو أنه كان قد انتقد انتقادات لاذعة سياسات الوزير وصلت في بعض المراحل إلى حد الإساءة والقدح في طريقة المعالجات التي وضعها لاقتصاديات البلد، وطالبه بالتنحي مراراً وتكراراً. ولكنه عاد في هذا المقال المحوري واعتذر اعتذاراً صار حديث المجالس، وانتشر انتشار النار في الهشيم. ولأهمية رسالته أقتطف منها هذه الجزئية التي كانت سبب اعتذاره، وهي محور هذا المقال حيث قال: (اليوم وأمس هزني بشدة مشهد ومنظر الرجال الأحرار وهم يذرفون الدموع بصدق وبحرارة في مشهد مقدس لم يسبق له مثيل في السودان خلال 40 عاماً. إنهم أهل قبيلتي -قبيلة الأساتذة والمعلمين- التي أنتمي إليها حد الولاء. هذا مشهد مهيب للحد الذي يجعل التوقف عنده واجباً مقدساً بل فرض عين. وقليلة هي المشاهد التي جعلتني أهتز بعنف واتبعثر في الفضاءات المقدسة. أحد هذه المشاهد هي فض الاعتصام، ومشاهد أخرى لا داعي لذكرها. وهذا المشهد لوحة المعلمين والأساتذة الباكية. وبما أنني أستاذ ومعلم، وبما أن فرحة هذه الفئة وعائلاتهم من دون الآخرين هي المسألة الجوهرية بالنسبة لي فقد كانت وما زالت وستبقى). من خلال هذه الحروف المؤثرة والصادقة كانت متابعتنا جميعاً لهذه الرسالة من بين عشرات الرسائل التي صورت مشهد المعلمين المهيب وهم يذرفون الدموع في ليلة العيد. ودموع الرجال عندنا في السودان عصية وغالية ونادرة، بل هي مستفزة للباكي ولمن حوله من الناس. ولذلك فإننا دائما نداريها عن عيون الناس إذا فرضت نفسها في لحظة من لحظات الضعف والهوان أو الفرح المفرط الذي لا يقل تأثيراً عن الحزن والألم. وفي حقيقة الأمر لم يقف الأمر عند عبارات الكلام أو الوصف الشفاهي الذي تنامى إلى أسماعنا ونحن في بلاد الغربة عن هذه المشاهد للمعلمين وإنما حرصت كاميرات الرجال والنساء والشيب والشباب أن تنقل إلينا المشاهد كاملة من خلال تصوير عشرات المعلمين وهم يحملون الملايين بين أيديهم وهم يغادرون مكاتب الصرافين في المؤسسات التعليمية المختلفة لأول مرة في تاريخ حياتهم وتاريخ الوطن البتول. وتفرسنا في ملامحم المؤثرة عبر أشرطة الفيديو والصور الثابتة فعرفنا بعضهم من ملامح الوجه وتقاطيع الجسد، ولكن أكثرهم لم نعرفهم رغم أنهم جميعاً يحملون تقاطيع الأساتذة الذين علمونا منذ نعومة الأظافر. بعضهم كبار في السن وبعضهم في ريعان الشباب. بعضهم رجال وبعضهم من أخواتنا المعلمات الكادحات الصابرات اللائي بذلن النفس والنفيس من أجل تعليم أبنائنا وخلق جيل يتحمل مسؤولية بناء الوطن في أحلك الظروف وأقساها. وكان القاسم المشترك بينهم جميعاً هو الدموع التي طفرت من عيون لم تعرف الهوان. وجاء هطولها بلا استئذان أو سابق إنذار. وأنا أعلم أن كل واحد منهم كان يتمنى أن يداري هذه الدموع ولكن يداه لا تطاوعانه لاستخراج المنديل من جيبه لأن حجم المال الذي تقاضاه اليوم ولأول مرة في تاريخ حياته لا تسعه يد واحدة وإنما لا بد أن يحمله بكلتا يديه. وأشهد الله العظيم أنني بكيت بكاء مراً وأنا أشاهد هذه الصور التي جاءتنا في بلاد الغربة كأعظم عيدية وأنبل هدية تقاضاها أهلنا وكأنها دخلت جيبي أنا وليس جيوبهم هم في هذا العيد الذي كان مفترضاً أن يكون أسوأ الأعياد بفعل جائحة الكرونا ولكنه تحول إلى أسعد الأعياد بفضل الإنصاف والعطاء السخي. ولأن المشهد لا تعبر عنه الكلمات فقد تواصلت دموعنا التي طفرت هي الأخرى دون استئذان، وأطلقنا لها العنان رغم أنها محتاجة فعلاً لكبح الجماح. ولم يزل هذا التأثر ملازماً لي حتى لحظة كتابة هذه السطور. ومضت أيام العيد ونحن محبوسون في المنازل لحظر التجول الذي فرضته جائحة الكورونا. ولكن كان عيدنا الحقيقي هو ما طالعناه ونطالعه ليل نهار من قفشات المرح والنكات البريئة التي فاضت بها الأسافير عن هذا المشهد للرواتب الجديدة خصوصا للمعلمين. ضحكنا من الأعماق رغم أرتال الدموع، لأن كلا الضحكات والدموع مصدرهما واحد هو الفرح والسرور وليس الحزن والأسى الذي لازمنا طوال السنين الكالحات من عمر الوطن. وحتى عندما قررت أن أكتب هذا المقال عن هذا المشهد لازمتني هذه الدموع التي فاضت حتى على لوحة الحروف وأنا أصف ما يدور بخاطري وخواطر الملايين من أهل بلادي الطيبين عن هذا الوفاء غير المسبوق لأهل العطاء. ظلت أحاسيسي وكل خلجات نفسي تفيض حمداً لقادة الثورة رغم أني لم أر واح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *