الخرطوم : عين السودان

كان الحضور الى منطقة وسط المدينة فى منهاتان اشبه بالمشاركة فى عمل سينمائى ضخم. لان المرء بدون ان يدرى وهو يسير فى الدائرة الفنية يجد نفسه فى مسرح كبير كل واحد فيه يؤدى دوره بعناية او ربما بغير انتباه ثم ينصرف ويحس كل واحد منا بالتغيير فى هذا الجو المفعم بالحركة والنشاط والحيوية. كل ذلك تغير فى الاسابيع الماضية. ومثلما يقول المثل الجارى ” راحت السكرة وبقيت الفكرة”. بمعنى اخر ان كورونا لم تؤثر فقط على النشاط المالى والاقتصادى الذى ميز المدينة ولكنه امتد وتشعب واثر فى الحياة الثقافية والفنية والحياة الليلية التى تميز المدن الكبرى فى الغرب. نيويورك تعد واحدة من اكبر المسارح الفنية فى العالم لعرض معظم الفنون البصرية والسمعية والصوتية. عندما يسألك احد السواح عن ” البرودويه” اعلم انه يبحث عن احد العروض الخاصة التى تميز هذا الشارع الذى يتلوى من منطقة وول استريت المالية حتى يصل القلب الذى يعكس ابداع المدينة. الشارع الشهير معروف بعروضه المتميزة التى يمكن ان تصل فيها الحجوزات الى ثلاثة اشهر من اجل الحصول على مقعد فى احدى عروض”ملك الغابة” ليون كنج. نتيجة للكورونا اعلنت معظم هذه العروض قفل الموسم حتى نهاية الصيف. مما يشكل خسائر جمة ليس فقط لهذه المسارح والعروض الموسيقية والتاريخية والدرامية والتى تجذب ليس فقط اهل البلد ولكن السواح الذين يأتون من كل اطراف العالم للمشاهدة والتغيير وقضاء وقت ممتع فى “التفاحة الكبيرة” كما يحلو لاهلها وصفها. الخسائر الحقيقية تطال الفنون والاعمال المساعدة حيث تعتمد عليها الكثير من الفئات الضعيفة بل ” وتعتاش” عليها وتساعدها فى الاستمرار. اصحاب هذه المسارح يملكون الملايين ولن يؤثر فيهم هذا التوقف. اما الفئات الضعيفة التى اتحدث عنها ايضا لاحقا فقدضربت فى مقتل. وهى بلا شك النساء والاطفال والبعض قد يفقد مصدر رزقه الى الابد. لذلك من يقول لك ان هناك “مؤامرة” خلف جائحة كورونا صدق او لا تصدق انت حر.؟؟!!!!
لاشك ان هذه العروض والحياة الثقافية والفنية وما يحيط بها من “بهرج” مثل الشاشات التلفزيونية العملاقة التى تمتد لمسافة نصف ميل والتى تعكس هذا النشاط على مدار الساعة تشكل واحدة من الظواهر الفنية المبتكرة فى منطقة وسط المدينة ولكنها من الجانب الاخر واحدة من ادوات الرأسمالية الغربية التى تخلب العقول وتسرق الجيوب وتساعد فى . تشكل هذه اللوحات الفنية الباهرة مسرح خارجى متحرك يمكن ان تقضى وانت تتفرج بدون ملل.يتزاحم السواح من داخل وخارج الولايات المتحدة لرؤية هذه العروض الفنية المبهرة وضخ ملايين الدولارات فى اقتصاد المدينة الذى يستفيد كثيرا من الثقل الثقافى والفنى الذى تتمتع به المدينة. ولكن مع دخول الكورونا انعكس هذا الموت الثقافى ليس فقط على اصحاب الملايين الذين عوضتهم الحكومة على كل حال فيما يعرف ببرنامج التحفيز الاقتصادى. انعكس على كل الاعمال الهامشية المحيطة بدائرة “البرودويه” الشهيرة منهم الباعة المتجولون “والمعتصمين” واصحاب عربات الاكل المتحركة الذين يحيطون بهذه الدائرة احاطة السوار بالمعصم. وسائقى التاكسى بالوان المتعددة من الاصفر والاخضر والازرق والاسود. الذين مازال البعض منهم يتجول فى المنطقة عسى لن يأتى الرزق من مكان ما. رغم ان الركود الفنى انعكس على بلدية منهاتان بصورة جعلها كانى لم تغنى بالامس. ولكن البلديات الاخرى تأثرت مثل كوينز واستيت ان ايلاند واحدة منهم هى بروكلين حيث توجد ” اكاديمية بروكلين الموسيقية” المعروف باسم بام. والتى كانت واحدة من القلعات الموسيقية النشطة جدا وخاصة فى فصل الصيف. وكان المرء عندما يمر يجد الصفوف الممتدة الى ماشاء الله. متى يعود ذلك العهد لا احديملك اجابة واضحة. عندما انظر فى هذا الامر كيف كانت وكيف صارت.اصل الى قناعة ان هذا الكون له قدرة الهية عظمى هى التى تحرك وهى التى توقف.اما نحن الا دمى يحركها متى يشاء ويوفقها متى يشاء لانه ” مالك الملك” والبشر مهما كانت قوتهم والتى وصفها ” ماأتويتم من العلم الاقليلا”. وهو الذى يملك الكلمة الاخيرة فى هذا الكون الواسع. وما علينا الا الانصياع التام. ونؤدى دورنا ونمضى فى هدوء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *