الخرطوم : عين السودان

(1)

قال الزعيم السنغالي والفيلسوف الأفريقي سنغور كلما أسمع نبأ وفاة شيخ افريقي أحس بأن هناك مكتبة كبيرة احترقت. ولعل هذا ما شعرت به حين سمعت بنبأ رحيل الشيخ / حسن مصطفى عبد الحليم. فقد كان رحمه الله مكتبة حوت تجربة طويلة وثرة وأنتجت قيما رفيعة ومفاهيم عظيمة في مجال الزراعة والزراع . ربما لم يسمع به البعض منا ولكن مسيرته النضرة القائمة على تفانيه في خدمة البلاد تجعل

منه شخصية قومية قدمت للبلاد الكثير ولكن للأسف كتب التاريخ كما قال الشاعر الألماني المعاصر بريخت (لا تحوي غير أسماء الملوك / مدينة طيبة ذات الأبواب السبع من الذي بناها /هل حمل الملوك كتل صخرها ؟ )

(2 )

حسن مصطفى عبد الحليم نشأ نشأة عادية في قرية الهدى (مدينة الآن ) في منتصف القرن الماضي ويومها كان مشروع الجزيرة في عنفوان عطائه المادي ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة للمزارع إذ كان مثل شجرة الدليب هي في مكان وضلها في مكان بعيد، ومن هنا بدأت رحلة حسن مصطفى إذ جعل همه تغيير واقع المزارع في المشروع ليكون شريكا حقيقيا وليس (ترسا في ماكينة) كما قال أحد الخواجات من

مصممي المشروع . ولما له من مؤهلات شخصية انتخبه أهله ليكون على رأسهم أي مندوبا للمكتب، فصعدت به قدراته الى أن أصبح سكرتيرا لاتحاد مزارعي الجزيرة لعدة دورات ثم سكرتيرا عاما لاتحاد مزارعي كافة السودان، لا بل وصل مرحلة احتلال مقعد في تنفيذية اتحاد الزراع الأفارقة والزراع العرب.

(3)

بالطبع لم يكن للشيخ حسن مصطفى يد في الاستراتيجية والفلسفة التي قام عليهاالمشروع ولا التركيبة الإدارية للمشروع فكل الذي وجده هو أن اتحاد المزارعين هو القناة الوحيدة التي يمكن زيادة مكاسب المزارعين عبرها ومن خلال هذه القناة الضيقة بذل مع غيره من قادة المزارعين جهودا جبارة لتحسين وضع المزارع ولم يكتفوا بالطرق المطلبية فقط إنما أنشأوا الكثير من المؤسسات التي تتبع للاتحاد وتزيد ريع المزارع فكانت المصانع والمحالج والمصارف ووقف الشيخ حسن مصطفى على رأس الكثير من هذه المؤسسات، ومن حسن الحظ انه وثق لهذه التجارب وأوضح كيف انها نشأت وتطورت وماذا قدمت للمزارعين (للأسف أنها كلها الآن راحت في خبر كان ).

(4 )

برزت قدرات الشيخ حسن القيادية في مطلع سبعينات القرن الماضي ويومها كان نظام مايو متمكنا من حكم البلاد فلم يكن أمام الشيخ حسن مصطفى فرصة لخدمة أهله إلا من خلال ذلك النظام فلم يستنكف العمل السياسي طالما ان يخدم قضيته فتدرج في المناصب النقابية الى أن وصل سكرتير عام اتحاد مزارعي السودان، أما سياسيا وصل مركزية الاتحاد الاشتراكي ولعل هذا هو الذي مهد له الطريق ليقدم كل تلك الخدمات الجليلة لوطنه الصغير الجزيرة ووطنه الكبير السودان مع كامل الإنكار لحظوظ النفس وخدمة الذات ، فكل الذين يعرفون الشيخ حسن مصطفى يعلمون انه كان طاهر اليد عف اللسان عالي الهمة متفانيا في المهمة التي نذر لها نفسه.

(5 )

إن سيرة مسيرة الشيخ حسن مصطفى تطرح قضيتين فكريتين وان شئت قل أكاديميتين، الأولى هو دور القيادات المحلية في ترقية مجتمعاتها وتترقى هي نفسها الى ان تصبح قومية، فالشيخ حسن مصطفى كان واعيا لقضيته المحلية فحمله الوعي بقضيته لتلك المرتبة القومية بصورة تلقائية من شخص منتخب على رأس المية من
المزارعين المشتركين معه في نفس الترعة أي جيرانه، ثم مندوب للمكتب ثم مندوب للقسم ثم عضو في اللجنة التنفيذية ثم سكرتير عام لاتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل ثم تنفيذية اتحاد مزارعي عموم السودان لا بل اتحاد زراع أفريقيا واتحاد الزراع العرب. فالقوانين واللوائح المنظمة لتلك الاتحادات هي التي حددت القضيب
الذي سار عليه قطار الشيخ حسن مصطفى . القضية الثانية الرافعة السياسية فالشيخ حسن ليس له دور في قيام نظام مايو ولكنه وجده في كامل قوته بينما كان الشيخ في كامل وعيه وهذا ما يمكن تسميته بالمصادفة التاريخية فلا يمكن للشيخ حسن ان يعتزل قضيته ويعتزل التاريخ فسار في ركاب النظام السياسي وقدم أجمل ما يمكن ان يقدم للمزارع وبعد سقوط نظام نميري استمر في ذات نهجه وعندما جاءت الإنقاذ واصل وقوفه على مؤسسات المزارعين الى ان ظهرت سياسات تقديم الولاء على الكفاءة فانزوى جانبا ولكنه ظل ممسكا بجمر القضية إلى ان توفاه الله الأسبوع الماضي. فالسياسة بمعناها السلطوي كانت وسيلة بالنسبة للشيخ حسن مصطفى وليست غاية.

(6)

لم تكن لدي معرفة خاصة بالشيخ حسن مصفى بل هي المعرفة العامة كقيادي من قيادات المزارعين، ففوجئت ذات يوم بشيخ وقور حسن الهندام يدلف الى مكتبي، وبعد السلام حق الله بق الله عرفني بنفسه ولكي أوضح له بأنني أعرفه جيدا قلت له ليه يا عم حسن دائما سكرتير عام الرئاسة دي ما لها أبتك. فرد قائلا لا أبدا الناس دي ما جايبا خبر السكرتير العام أخطر من الرئيس بكثير فهو الدينمو المحرك للاتحاد. فأمضينا وقتا مثمرا، ومن يومها ظل التواصل بيننا على أشده وقد نشرت له عدة مواضيع في هذا الباب وقدم الكثير من المداخلات في برنامج سبت أخضر الذي كانت تبثه قناة النيل الأزرق، وقد شرفني بكتابة مقدمة واحد من كتبه وكان دوما يبرني بملفات ومعلومات هامة تتعلق بقضايا المزارعين، وكان في كل مكالماته يقول أبقوا عشرة على المزارع فهو جمل الشيل . وأشهد بان عمنا وشيخنا وحبيبنا وزعمينا حسن مصطفى عبد الحليم كان محبا ومتفانيا ومخلصا لقضايا الزراعة والمزارعين في كل السودان، قد رحل وفي نفسه الكثير من تلك القضايا. اللهم أكرم نزله ووسع مرقده وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء واجعل البركة في ذريته وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر الجميل والسلوان وصادق العزاء لأهلنا بمدينة الهدى محلية المناقل وكافة أهل المشروع ومزارعي السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *