الخرطوم : عين السودان

أيامٌ قلائلٌ تُعد على أصابع اليد منذ أن أطلق رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، دعوته للشعب السوداني بمُختلف مكوناته لإنشاء (الصندوق القومي) لدعم مُجابهة مخاطر جائحة كورونا، مُستنفراً فيها الجهود الشعبية والرسمية كافّة، وعازفاً على وتر الوعي والمسؤولية، إضافةً إلى الثقافة المُجتمعية.

اللافت أن مُناشدة البرهان وجدت كامل القبول والتفاعُل بسخاءٍ من قبل أفراد السيادي وبعض مُكوِّنات المُجتمع الداخلي والخارجي، وتسابقت الأيادي البيضاء لأجلها.

لكن الشاهد أن مُمثلي الجهاز التنفيذي من الوزراء على مُختلف منافذهم لم يلقوا (بالاً) للدعوة كما كان متوقعاً، ومن تفاعل منهم لم يعلن أو يذيع سراً.. ثم مضت الأيام وبدا أن الشعب في أتون مشاغله وانصرافه إلى هُمُومه ومعاشه ربما نسي أو تناسى فكرة الصندوق برمته.. حتى إنّ السيادي لم يكشف للملأ حجم أرقام ما بداخل الصندوق.

القُومَة للوطن

بالمُقابل وعندما خفّ وهج دعوة البرهان.. التقط رئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك.. القفاز لإطلاق مُبادرة (القومة للوطن).. صحيحٌ إن الفكرة بدت أقرب لدعوة البرهان من خلال الطرح والمنهج.. ولكن ما لفت الانتباه.. الاستجابة الكبيرة والسريعة من قِبل السياسيين والجهاز التنفيذي هذه المرة، وحدث العكس تماماً.. حيث تدافع الوزراء في التبرُّع برواتبهم بسخاءٍ، بجانب استجابة الشعب.. وخلال ساعات معدودة أعلن وزراء عن تخلِّيهم عن رواتبهم من شهر حتى ثلاثة أشهر.. وسارعوا لنشر تبرُّعاتهم على منصات التواصل الاجتماعي لجذب التفاعل، حتى تَخَطّت التبرُّعات حاجز العشرين مليوناً، فيما لم يُرصد أي تبرعات لأعضاء المجلس السيادي للمبادرة.

ووسط هذه المُفارقات بين الجهازين السيادي والتنفيذي، تساءل متابعون عن حقيقة ما يحدث من تجاذُبات في إدارة الدولة في الخفاء بينهما؟ وعن حقيقة وجود صراعاتٍ مكتومةٍ بين المُكوِّنين؟

سمن على عسل

فسّر محللون بأنه على الرغم من نجاح ثورة ديسمبر، وتشكيل بعض مُستويات الحكم الانتقالي على المستوى السيادي والتنفيذي بعد تفاوض معقّد بين المُكوِّنات المشاركة في الثورة، إلا أنّ التركة الثقيلة التي أورثها النظام المخلوع للنخبة الحاكمة اليوم تُعد أكبر عائقٍ أمام عملية إقامة نظام توافُقي بصورة سلسة، فضلاً عن دخول المكونات في صراع خفي بدأت تظهر إرهاصاته بين الحين والآخر.. إن الصراع في السودان اليوم بعد أن كان صراعاً بين المكون المدني والعسكري، إلا أنّه من الظاهر بات يحدث داخل المكونات الحاكمة، حيث وقع خلاف بين داخل المكون المدني المتمثل في قوى إعلان الحرية والتغيير حول شكل المرحلة الانتقالية والرؤى الاقتصادية.. وبنفس القدر، هناك خلاف غير معلنٍ، وتسابُق بين المُكوِّن المدني الذي يمثل الجهاز التنفيذي، والمُكوِّن السيادي، حتى إن نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو، سبق وأخرج الهواء الساخن وألمح إلى وجود خلافات بين المكونين، لا سيما الجانب العسكري من السيادي، وظهرت الخلافات جلياً عندما احتجت قوى من الحرية والتغيير على ترؤس “حميدتي” للآلية الاقتصادية حتى اضطر الأخير إلى الانسحاب من الآلية.. ليسند مهامه الى حمدوك.

ورغم تصريحات “حميدتي” الصريحة، إلا أن المكون المدني داخل السيادي بدأ يميل إلى تكميم الحقيقة.. حيث ردّ عضو المجلس السيادي في تصريحات سابقة له أن ما بين السيادي والتنفيذي (سمن على عسل).. ليترك مساحةً من التساؤلات بين تصريحاته وحديث “حميدتي”.

هبات ودعوات

محللون آخرون رأوا، أنّ خطاب حمدوك العاطفي والذي لامس به وجدان الشعب والمكون الحكومي من المدنيين بإثارته لنزعة الثورة والنضال، مقارنة بخطاب البرهان عندما أطلق دعوة – حينما قال الأول في خطابه.. في خضم هذه التحديات أود أن أطلق مبادرة (القومة للسودان – الحملة الشعبية للبناء والتعمير)، وهي دعوة للتبرُّع الجماعي الذي سيُساعد السودان على مواصلة تجليات وإرث الثورة المجيدة، وكما وقفنا مُتّحدين لإسقاط النظام السابق، نقف الآن مرة أخرى لإعادة بناء وإعمار البلاد بعد عُقُودٍ من الدمار والانهيار.. إنّ معركة البناء والإعمار هي استكمال للخُطى المَجيدة التي مَشَى عليها أبناء وبنات الشعب السوداني في ثورته المُستمرّة والتي تُوِّجت بإسقاط النظام المخلوع، والآن سنكمل هذا الطريق إلى المُستقبل المشرق لشعبنا وأمتنا وبلادنا السودان.

نهاراً جهاراً

أكّد المُحلِّل السياسي د. صلاح الدومة، حقيقة وجود صراع بين المكونين السيادي والتنفيذي، وقال: ليس صراعاً مكتوماً وإنما صراع يحدث نهاراً جهاراً، وأشار إلى أنّ الاتّهامات مازالت تطال البرهان بوقوفه في صف الدولة العميقة، وظَهرت بوادر الصراع في السابق، عندما زار البرهان أوغندا ومقابلته نتنياهو.. وأسكت المحتجين عند قوله: حمدوك يعلم بلقائي نتنياهو.. رغم أن تصريحات أركان حرب حمدوك من وزرائه كانوا قد نفوا غير تصريحات البرهان أي معرفة مسبقة لحمدوك.. وصمت الأخير وتحفُّظه عن التعاطي مع الحدث أو إظهار من يقول الحقيقة من الجانبين الناطق الرسمي باسم حكومته فيصل محمد صالح أم البرهان..؟ يومها جعلت الصراع يبلغ ذروته، ثم خطوة حمدوك ولجوئه إلى الولايات المتحدة لوضع البلاد تحت وصاية البند السادس.. جعلت الوشاة يتحدثون سراً عن تغول السيادي على الانتقالي، وبالتالي سارع حمدوك للاستنجاد بالبعثة الأممية لحراسة الديمقراطية.

افتقار للتنسيق

ومضى الدومة في تفسير سرعة استجابة الوزراء لمُبادرة القومة للوطن، إلى أن المُكوِّن التنفيذي أغلبه ينحدر من حوش واحد – الحرية والتغيير – وهو الداعم لخط الثورة، وبالتالي وضعهم في الاعتبار أنّ نجاح المُبادرة امتداد للثورة.

لكن المحلل السياسي بروف عبده مختار يرى أن التقاطعات بين المكونين في العمل المباشر الذي يلي الدولة والمواطن، إضافةً إلى الكوارث، ويُعد في المقام الأول حقاً دستورياً لمجلس الوزراء، وقال مختار إن تدخل السيادي المباشر في الصلاحيات التنفيذية خلق تداخلاً في السُّلطات، لأن صلاحيات السيادي تختصر على المهام التشريفية ورمز السيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *