الخرطوم : عين السودان

قبل أيام صرح الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي نائب رئيس مجلس السيادة بأنهم سيجرون انتخابات عامة وفي تقديري ان حميدتي يدرك قبل غيره أن الوقت غير مناسب لإجرائها في ظل الظروف المعقدة الراهنة التي تشهد فيها البلاد اختناقات وأزمات معيشية حادة وتوترات واحباطات وتحرشات واستفزازات من بعض دول الجوار لجر البلاد لحرب حدود وكل هذا الركام من التحديات التي تقتضي وجود سلطة وحكومة فولاذية قوية صلبة لا يمكن ترك هذه التحديات جانباً والبلاد تغلي كالمرجل والانغماس في أجواء الانتخابات والندوات السياسية الحزبية الدعائية والملاسنات بين المرشحين والانشغال بترديد هتافات الفانوس حرق القطية وغيرها لتبدأ مرحلة الشد والجذب والصراعات والاستقطابات والتناقضات بعد ظهور نتائج الانتخابات كما حدث في عام 1986م وهو موثق بكل تفاصيله الدقيقة ولعل حميدتي قصد بتصريحه مجرد توجيه تهديد لمن يريدون السيطرة والهيمنة السلطوية وبسط نفوذهم ووصايتهم وأستاذيتهم علي الشعب السوداني بلا تفويض منه وهم يدركون أن إجراء الانتخابات العامة سيسحب منهم البساط نهائياً ويعيدهم لأحجامهم الطبيعية ويبعدهم عن السلطة أو بالأحرى يبعدهم عن التسلط علي غيرهم بلا وجه حق . وكل حقوقهم الدستورية وممارسة أعمالهم ومهنهم وحياتهم العادية كأفراد وكتنظيمات مكفولة لهم دون تطاول علي حقوق الآخرين .
وقد أعلنت الحركات المتمردة أنها حملت السلاح من أجل الضغط لرفع المظالم عن مناطقهم وتوجد مناطق كثيرة أشد منهم ظلماً لم تحمل السلاح وكان هذا يقتضي من الحكومة الاتحادية أن تأخذ الأمر مأخذ الجد وتنظر لمطالب الحاملين للسلاح وغير الحاملين له وتسعي للاستجابة للمطالب العادلة بالطرق السلمية ولكن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك ان الحركات الحاملة للسلاح أهملت وتركت مطالب مناطقها وراء ظهورها وأضحت بالنسبة لها نسياً منسياً ومجرد لافتات ممزقة مرفوعة في الهواء وتلعب بها الريح ووضح جلياً أن هدفها هو الوصول للسلطة وإسقاط النظام الاتحادي و رئاسته في الخرطوم وهذا أيضاً مطلب مشروع لتبادل السلطة بالطرق السلمية الديمقراطية ويبررون حملهم للسلاح لتحقيق هذا المطلب أن النظام الحاكم السابق كان متعنتاً ومتشبثاً بالسيطرة الآحادية علي السلطة . ويحار المرء كيف يتسني لهذه الحركات الحصول علي السلاح والعربات الكثيرة ذات الدفع الرباعي والوقود والأموال الطائلة والإعاشة ومنصرفات المقاتلين وأصبح بعض قادتهم من كبار الأثرياء ومن ناحية عملية لا يمكن إسقاط الحكومة الاتحادية وهي في الخرطوم العاصمة بالاشتباكات والمناوشات العسكرية في الأطراف علي بعد مئات أو آلاف الكيلو مترات وبفضل المشيئة الإلهية وتوفر الظروف الموضوعية وصلابة موقف الثوار والمعتصمين في ساحة القيادة العامة والترتيب المحكم للجنة الأمنية التي تدخلت في اللحظات الحاسمة وادي كل ذلك لسقوط النظام الحاكم السابق ولو كان الاعتصام في الحدائق بالقرب من القصر الجمهوري لكانت المهمة أصعب دعك من أن يكون حملة السلاح علي بعد مئات أو آلاف الكيلومترات ….. وجرت مفاوضات استغرقت وقتاً طويلاً بين وفد الحكومة ووفد الحركة الشعبية والحركات المسلحة ودعك من التفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي ستثير جدلاً وسط الشعب السوداني عند عرضها علي الرأي العام . وأعلنت الأطراف المشار إليها في مفاوضات جوبا عدد المناصب التي تطالب بها في مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي المرتقب وبالضرورة أنهم يسعون لنيل حصتهم في الولايات بذات النسبة ودعك من المنافسات التي ستحتدم بين الحركات والتيارات وسعي كل منها لأخذ حصة معتبرة من الكيكة مع الصراع المتوقع داخل كل حركة وإحساس كل منهم بأنه أحق بالمشاركة من غيره . ومن جانب آخر فإن تياراً أطلق عليه اسم تيار تصحيح المسار داخل (قحت) هدفه إعادة تشكيل الحكومة أو إجراء تعديلات داخلها والإسراع في تعيين الولاة وتشكيل المجلس التشريعي وهذا سيؤدي لصراع بين قحت وبين الثورية والحركات والتيارات إذا لم يتم إشراكهم في قسمة الولاة والمجلس التشريعي بالإضافة لمطالبهم آنفة الذكر . والمؤكد أن النظام السابق لن يعود مرة أخري للسيطرة والهيمنة الآحادية وتلك صفحة انطوت ويمكن عزل المدانين قضائياً وقانونياً أما غيرهم فمن حقهم أن يمارسوا حقوقهم الدستورية وحياتهم العادية كأفراد أو كتنظيم و يكون وجدوهم جزئياً كالآخرين .. وان أي مظاهرات ومواكب صاخبة ستتقاطع فيها الأجندات المتباينة المختلفة وبغير ضبط يخشي الجميع أن يحدث انفلات أمني وفوضي غير مأمونة العواقب . وليبقي مجلس السيادة بشقيه العسكري والمدني علي أن يتولي الجانب العسكري موقع رئيس المجلس وموقع القائد الأعلي للقوات المسلحة وتكون مهام الشق العسكري الدفاع عن الوطن وحفظ الأمن القومي مع ضرورة تشكيل حكومة مدنية من أقوي وأصلب العناصر لتحل محل هذه الحكومة الضعيفة وأن تنصرف جميع الأحزاب لتنظيم نفسها دون أن تكون لها أي وصاية علي الحكومة في الفترة الانتقالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *